بَابُ جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ (ﷺ) وَعَقْدِهِ

ضبط

لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) طَرَفَيِ طَرَفَيِ 'طرفي النهار : أول النهار وآخره ' النَّهَارِ ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً ، فَلَمَّا ابْتُلِيَ ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ أصابهم أذى المشركين. المُسْلِمُونَ ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ أصابهم أذى المشركين. ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الحَبَشَةِ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ بَرْكَ الغِمَادِ موضع بأقاصي هجر وقيل باليمامة وهو موضع موضع أيضا باليمن. الغِمَادِ بَرْكَ الغِمَادِ موضع بأقاصي هجر وقيل باليمامة وهو موضع موضع أيضا باليمن. لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ ، وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ القَارَةِ قبيلة موصوفة بجودة الرمي. ، فَقَالَ : أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَخْرَجَنِي قَوْمِي ، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ أَسِيحَ أسير وأذهب أصله من السيح وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض.
'السياحة : الذهاب والسير والتجول الهجرة'
فِي الأَرْضِ ، فَأَعْبُدَ رَبِّي ، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ : إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ المَعْدُومَ تفوز بمعاونة الفقير وتتبرع بالمال لمن عدمه وتعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك.
'المعدوم : المفلس أو الفقير'
، وَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ الكَلَّ تكفل اليتيم وتحمل ثقل العجزة.
'الكَل : الثِّقَل مِن كل ما يُتَكلَّف ، وقيل العيال ومن يحتاج إلى رعاية ونفقة'
، وَتَقْرِي وَتَقْرِي تحسن إليه وتكرمه.
'القِرَى : ما يقدم إلى الضيف'
الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ نَوَائِبِ ما ينزل بالإنسان من حوادث ومصائب جمع نائبة.
'النوائب : جمع نائبة وهي ما ينزل بالإنسان من الكوارث والحوادث المؤلمة'
الحَقِّ ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ جَارٌ مجير ممن يظلمك أو يعتدي عليك. ، فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلاَدِكَ ، فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ، فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَجُ ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ المَعْدُومَ المَعْدُومَ تفوز بمعاونة الفقير وتتبرع بالمال لمن عدمه وتعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك.
'المعدوم : المفلس أو الفقير'
، وَيَصِلُ الرَّحِمَ ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ الكَلَّ تكفل اليتيم وتحمل ثقل العجزة.
'الكَل : الثِّقَل مِن كل ما يُتَكلَّف ، وقيل العيال ومن يحتاج إلى رعاية ونفقة'
، وَيَقْرِي الضَّيْفَ ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ نَوَائِبِ ما ينزل بالإنسان من حوادث ومصائب جمع نائبة.
'النوائب : جمع نائبة وهي ما ينزل بالإنسان من الكوارث والحوادث المؤلمة'
الحَقِّ ، فَأَنْفَذَتْ فَأَنْفَذَتْ 'أنفذ الأمر : أقره وأمضاه' قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ ، وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ ، وَقَالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ : مُرْ أَبَا بَكْرٍ ، فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ ، فَلْيُصَلِّ ، وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ ، وَلاَ يُؤْذِينَا بِذَلِكَ ، وَلاَ يَسْتَعْلِنْ بِهِ ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ، قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَطَفِقَ فَطَفِقَ 'طفق يفعل الشيء : أخذ في فعله واستمر فيه' أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ ، وَلاَ يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلاَةِ ، وَلاَ القِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ ، ثُمَّ بَدَا بَدَا 'بدا : وضح وظهر' لِأَبِي بَكْرٍ ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ بِفِنَاءِ 'الفناء : الساحة في الدار أو بجانبها' دَارِهِ وَبَرَزَ ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ ، فَيَتَقَصَّفُ فَيَتَقَصَّفُ يزدحم.
'تقصفوا عليه : تتابعوا'
عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ ، يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً ، لاَ يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ : إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَجَرْنَا 'الإجارة : أخذ العهد بتوفير الحماية وضمان عدم الاعتداء على الشخص' أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ بِفِنَاءِ 'الفناء : الساحة في الدار أو بجانبها' دَارِهِ ، وَأَعْلَنَ الصَّلاَةَ وَالقِرَاءَةَ ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ، فَأْتِهِ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ ، وَإِنْ أَبَى أَبَى أبى : رفض وامتنع، واشتد على غيره إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ ، فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ ذِمَّتَكَ 'الذمة والذمام : العَهْد والأمَانِ والضَّمان والحُرمَة والحقِّ' ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ نُخْفِرَكَ 'نخفرك : ننقض عهدك' ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ مُقِرِّينَ 'الإقرار : القبول والرضا والتصديق والتسليم' لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلاَنَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ ، فَقَالَ : قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي ذِمَّتِي 'الذمة والذمام : العَهْد والأمَانِ والضَّمان والحُرمَة والحقِّ' ، فَإِنِّي لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ ، أَنِّي أُخْفِرْتُ أُخْفِرْتُ 'الخفر : نقض العهد' فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ جِوَارَكَ 'الجوار : الأمان والحماية والمنعة والوقاية' ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ وَرَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) : "‎قَدْ أُرِيتُ أُرِيتُ 'أري : وقعت له رؤيا في منامه' دَارَ هِجْرَتِكُمْ ، رَأَيْتُ سَبْخَةً سَبْخَةً 'السَبَخة : الأرضُ التي تعْلُوها المُلُوحة ولا تكادُ تُنْبِت إلا بعضَ الشجَر' ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ لاَبَتَيْنِ 'اللابة : الصحراء والحرة ذات الحجارة السوداء'" ، وَهُمَا الحَرَّتَانِ الحَرَّتَانِ تثنية حرة وهي أرض ذات حجارة سوداء كأنها احترقت بحر النار. ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) ، وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) : "‎عَلَى رِسْلِكَ رِسْلِكَ 'على رسلك : تمهل ولا تعجل' ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي" ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ ؟ قَالَ : "‎نَعَمْ" ، فَحَبَسَ فَحَبَسَ 'الحبس : المنع' أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ) لِيَصْحَبَهُ ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ رَاحِلَتَيْنِ 'الراحلة : البَعيرُ القويّ على الأسفار والأحمال، ويَقَعُ على الذكر والأنثى' كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ السَّمُرِ نوع من الشجر واحده سمرة.
'السَّمُر : هو ضربٌ من شجَرَ الطَّلح، الواحدة سَمُرة'
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍالمصدر: صحيح البخاريالجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم، المؤلف: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422 ه (الصفحة: 1003)